الشيخ محمد رشيد رضا

377

تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )

الصحف للمباحث الدينية ، أحدهما شيخ أزهري ، وثانيهما كانب مدني ، لما أبدينا وأعدنا في تفنيد بدعه الكلامية المخالفة لنصوص الكتاب والسنة التي يجهلانها ، لان بضاعة الأول نظريات متكلمي القرون الوسطى على قلة من يفهمها منهم اليوم ، وبضاعة الثاني نظريات بعض الإفرنج ، ولما رأيا نظرية الرازي في التأويل تؤيد فهمهما الباطل أراد الثاني ترويجها في سوق العامة بتسميته امام المفسرين ، وما كان إلا إمام المتكلمين ، وأما تفسيره فقد اشتهر قول بعض العلماء فيه : إن فيه كل شيء إلا التفسير كما في كتاب الاتقان . والحق أن هذه مبالغة في الانكار على ما هو الغرض الذي امتاز به تفسيره وهو نقل آراء الفلاسفة والمتكلمين ، وحجج المعتزلة والأشاعرة . فلينظر القارئ المستقل الفهم كيف فعل تقليد المسلمين لهؤلاء المتكلمين في دينهم : ينقل لهم متكلم مفسر عن متكلم مجهول زعم أنه من أهل التحقيق أن هذه الآية من القرآن التي لم يعرف لغتها ولا معناها الناقل ولا المنقول عنه « تدل على أن من كان غير عارف بالتأويلات ( التي ابتدعوها ) وقع في الكفر والبدعة » وعلل ذلك بما هو باطل من وجوه نكتفي منها بما لا يخفى على عامي ذكي ولا بليد ، وهو أن المؤمن بالنصوص إذا رأى فيها ما هو متعارض فإنه إما أن يبحث عن وجوه الترجيح بين المتعارضات بمقتضى القواعد التي وضعها علماء الأصول في ( كتاب التعارض والترجيح ) إذا رأى أنه أهل لذلك وفي حاجة إليه ، وإما أن يترك هذا البحث إلى أهله معتقدا أنهم أعرف به ، ولا يكون هذا التعارض الصوري سببا لشكه في القرآن أو انه ليس بحق مما يكون به مبتدعا أو كافرا ، ولو صح قول هذا القائل لوجب تحريم قراءة كتاب اللّه وكتب السنة على كل من لم يأخذ بقاعدتهم هذه ويتعلم علم الكلام وعلم أصول الفقه قبل تلاوته لأجلها ، وان كان عالما يهدي السلف وأقوال أئمته ، وهذا تقييد لكتاب اللّه تعالى وصد عنه بتأويلاتهم المبتدعة بعد عصر النور الأول لهذه الأمة ، ويلزم به أن يحكموا على أكثر من يقرءونه بالكفر والبدعة ، والحق أن هذه التأويلات التي فتنوا بها هي المثار الأكبر للشكوك والبدع التي هي بريد الكفر ، وأن كتاب اللّه كله هدى ونور ، وأصح بيان له سنة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم وخير المهتدين بها سلف الأمة وحفاظ السنة